الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
406
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بسبب تركه العمل بالأولى ، واستعجاله في ترك قومه وهجرانهم . وبعد بلعه من قبل الحوت أعطى الله سبحانه وتعالى أمرا تكوينيا إلى الحوت أن لا تلحق الأذى بيونس ، إذ أن عليه أن يقضي فترة في السجن الذي لم يسبق له مثيل ، كي يدرك تركه العمل بالأولى ، ويسعى لإصلاحه . وورد في إحدى الروايات أن " أوحى الله إلى الحوت : لا تكسر منه عظما ولا تقطع له وصلا " ( 1 ) . يونس ( عليه السلام ) انتبه بسرعة للحادث ، وتوجه على الفور إلى الله سبحانه وتعالى وتكامل وجوده مستغفرا الله على تركه العمل بالأولى ، وطالبا العفو منه . ونقلت الآية ( 87 ) في سورة الأنبياء صورة توجه يونس ( عليه السلام ) بالدعاء الذي يسميه أهل العرفان باليونسية ، قال تعالى : فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . أي إنه نادى من بطن الحوت بأن لا معبود سواك ، وأنني كنت من الظالمين ، إذ ظلمت نفسي وابتعدت عن باب رحمتك . اعتراف يونس الخالص بالظلم ، وتسبيحه الله المرافق للندم أدى مفعوله ، إذ إستجاب الله له وأنقذه من الغم ، كما جاء في الآية ( 88 ) من سورة الأنبياء ، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين . ونلاحظ الآن ماذا تقول الآيات بشأن يونس ( عليه السلام ) ، قال تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي لو لم يكن من المسبحين لأبقيناه في بطن الحوت حتى يوم القيامة ، ويعني تبديل سجنه المؤقت إلى سجن دائم ، ومن ثم تبديل سجنه الدائم إلى مقبرة له . وبخصوص بقاء يونس في بطن الحوت حتى يوم القيامة ( على فرض أنه ترك
--> 1 - تفسير الفخر الرازي ، المجلد 26 ، الصفحة 165 ، كما ورد نفس المعنى مع اختلاف بسيط في تفسير البرهان ، المجلد 4 ، الصفحة 37 .